السيد كمال الحيدري
90
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
الحلق شجى وفي القلب لوعة لا تُطفيها دموع الخلق بأسره ، فما بقي لنا إلا تتبّع آثارهم علَّها تُقرّبنا من بعض السطور ، والتي منها ما يلي : 1 . إنَّ من أهمّ ملامح المحورية المعنوية للمُلتقى : ترتّب الأثر التكويني لكلّ مرتبة كمالية يصل إليها القارئ المُتخصّص ، فالمعلوم ليس صورة ذهنية ، لها أن تنفصل عن أثرها التكويني . 2 . إنَّ كلّ مرتبة معنوية - ما لم تُشكّل مقاماً - مقدّمة تنطلق بالواصل لمرتبة أشرف وأعلى ، وهذه المُقدّمة لا تنفكّ عن مُحرّكيتها باتجاه المرتبة الأشرف ، ولذلك تجد الواصل لأيّ مرتبة من مراتب المحورية المعنوية للمُلتقى في حركة دؤوبة ما دام الواصل مُلتفتاً ، وإلا فإنه سائر إلى عالم التسفّل ، فإنَّ من أركان فلسفة الكمالات الإلهية عدم الثبات والاستقرار ، فالتحوّل والانتقال أرضيّتها ، ولذلك فالإنسان مُطلقاً إما في ارتفاع أو في انحدار « 1 » ، ومن هنا تفهم أنَّ طلبنا المستمرّ للهداية في كلّ صلاة لنا ، في قوله تعالى : اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ( الفاتحة : 6 ) ، يهدف إلى أمرين أساسين ، هما : الأوّل : حفظ ما وصلنا إليه من مراتب الهداية ، والثاني : الارتقاء إلى مراتب أعلى وأشرف .
--> ( 1 ) إنها فلسفة خلت أبجديّتها من التوقُّف على كمال ما ، فالمُقيم للصلاة في حالة ارتقاء دائمة ، والتارك لها في حالة انحدار دائمة ، وإن كان معذوراً في الترك ، وهذه الصفة لا تقتصر على الأمر الواجب فعلًا والمحرَّم تركاً في صورة الإيجاب ، ولا في العكس سلباً ، وإنما تشمل كلَّ تفصيلات الشريعة ، فتدخل المستحبّات والمكروهات معاً ، بل لا يبعد دخول المباحات أيضاً ، فإنَّ المباحات لا تُمثّل صورة عبثية ، وإنما هي حلقة في سلَّم التكامل ، وبذلك نخلص إلى أنَّ الذنب في فلسفة الكمالات الإلهية يعني ترك الارتقاء في السلّم الكمالي والانحدار والتسفُّل بلا توقُّف ، وبذلك يكون تارك المندوب وفاعل المكروه مُنحدراً مُتسفِّلًا بلا توقُّف ، وهذا الانحدار والتسفُّل حاصل حتماً ، سواء كان المُذنب متعمدّاً أم مجبوراً ، فالمريض إذا ترك الدواء عمداً أو سهواً أو اضطراراً فالنتيجة واحدة ، وهي عدم التماثل للشفاء . .